بسم الله الرحمن الرحيم
خطبٌ ألمّ بي وآلم كل ما بي، كدت منه أن أقتلع عينَيّ، وأمزِّق جفنَيّ، وأهوي بنفسي من أعلى ما ترى مُقلَتَيّ. أخذت أسائل نفسي، لِم أقدمتُ على أمر أحجمتُ عنه لسنوات، وكيف توهمت أن هذا شقاءٌ تزول به المنغصات! أتهوّن عني هذه الأحلام ما أنا فيه اليوم من علّات؟ أم أنّه ألمٌ ملازمٌ لي حتى الممات.
أحدثكم(1) عن أيام عملية تصحيح النظر، والتي أجريتها عصر يوم الخميس الموافق ١٨ محرم، وتلوَّيتُ بعدها على فراشي في غرفة مظلمةٍ ليومين، رأيت فيهما من الآلام ما رأيت. قال لي الطبيب قبل إجراء العملية: الناس بعدها على ثلاثة أصناف، صنف يذوق الويلات والآلام في أول يومين -ولم أتصور هذه الويلات حق التصور إلا يوم ذقتها-، وقسم يذوقها أول يوم، وقسم -وهم القلّة- لا يطرقه الألم ولا يزوره.
فتعلق قلبي بالصنف الثالث، وكان أقصى مُناي أن أكون من هذه الفرقة الناجية، وأوهمت نفسي أنّي بإذن الله منهم، وأنّي لن أذوق من الألم قطرة(2)، ولعل هذه المنى لكثرة ما طرقت قلبي صدقتها، فلما بدت أعراض الآلام أنكرتها، وكذبتها، وزجرت نفسي أن توهمتها!
تذكرت ابتسامة الطبيب بعد إجراء العملية وهو يقول: “لا تدعين علي بعد ما يخف تأثير البنج”، ظننته يمزح مشيرًا إلى أنّ هذا الأمر بعيد، وأني لن أرى بعد العملية إلا حُلو الأيام، وتوهمت بفهمي القاصر أن الطبيب تبين له أثناء إجراء العملية أنّ عينَيّ صُلبتان، لا يُحس من كان عنده مثلهما بأي ألم!
قبل الدخول لغرفة العمليات حدّثني الطبيب ليشد من أزري ويخفف الرهبة التي بدت علي، فقال: لن تحسِي بأي ألم، فقد خدّرت عينيك، وليس لي إلا طلب واحد، وهو أن تحدقي بضوء أخضر أمامك مدةَ عشر دقائق حتى أنتهي من العملية، وحين وضع الجهاز على رأسي ورأيت هذا الضوء الأخضر، أخذ الطبيب يلوح بمشرط صغير يقترب من عينيّ، ثم بأدوات أخرى يدخلها فيهما -أو هكذا بدت لي-.
فكان ما يزعجني أمران، أُولاهما ما أراه أمامي من أدوات تقترب من عيني ثم تبتعد وتدور فيها، فقد كان هذا المنظر ليس بالهين، وزاده رهبة تخيلي زوال مفعول المخدر في لحظة، والآلام التي ستفجعني فجأة. وثانيهما التركيز على النقطة الخضراء، فقد كان فيَّ دافع قوي أن أفجأ الطبيب بالتفاتة سريعة مفاجئة أقصى اليمين، وكان هذا الدافع قويًا ينازعني ويضطرني أن أرفع قدمَيّ لألتهي برفعهما عن الانصياع له، فكان التركيز في هذه النقطة أشد ما كنت أعانيه، وأظن الطبيب لو لم يكن يحدثني ويطمئنني ويبشرني ويخبرني بما يفعل، لانصعت لهذه الرغبة الملحة. ومع أنّي لم أحس بأي نوع من الألم، إلا أنّي أتعبت الطبيب، فقد كانت رقبتي مشدودة مشدوهة مما ترى، فكنت كل دقيقة أرخيها لأظهر له رباطة جأشي، ثم تغلبني الأفكار فتعود للشدة، ثم أرخيها، ثم تعود…
أجريت عمليتي عصر يوم الخميس، وحين ذهب أثر المخدر بدأت الآلام ثم اشتدت، فاتصلت بالمستشفى يوم الجمعة، ولم أجد جوابًا!(3). فتملكني الخوف، وأوهمني أنّ خطأً وقع ساعة العملية، وهذه أعراضه.
ومع أنّي لم أكن جاهلة تمام الجهل بالآلام المحتملة، فقد سمعت ممن أجرى العملية عمّا مرّ به، لكني لا أدري لِم كنت موقنة أني سأمر بتجربة مختلفة، وأني كما يقول الغرب (built different)، ولطالما أوهمتني نفسي بهذا، مع أني أصطدم بالواقع المرير كل مرة، لكن لا أفتأ أعيد خطئي وأُكذِّب تجاربي، متوهمة أن كل من على وجه هذه الخليقة يُظهرون من التوجع أشد مما يجدون.
في هذين اليومين العصيبين كنت في غالب وقتي مستلقية على فراشي أو جالسة على مكتب غرفتي أحدق في الساعة في جنح الظلام، وذلك أنّي نُهيت أن أنظر لأي ضوء لمدة أسبوع، كنت في الظلام الحالك أنتظر رنين المُنبه، ليذكرني بتقطير عيني كل سبع دقائق، حتى صرت من كثرة المكوث في هذه الغرفة المظلمة أرى الأشياء حولي كما يراها المبصر في النهار، كانت عيني تغفو تارة وأغمضها من الألم تارة.
تخيّل أخي القارئ وأنت تستمع لهذا المقطع الصوتي، أنّك مستلقٍ على فراشك في غرفة مظلمة، وعيناك من الألم تحترقان، والهم يغمر قلبك، والنوم يُداعب جفنك -ولا سبيل إليه-، وأنت في خضم هذه المعارك يقطع عليك صوت المنبهِ تفكيرك لتجدد به ألمك كل سبع دقائق مدة ٤٨ ساعة لا تذوق فيها النوم.
كان رنين الساعة أسوأ ما يطرق سمعي تلك الأيام، ويغريني أن ألطم، وأضرب رأسي بالحائط، ثم أقتلع عينيّ وأرمي بهما الساعة كلما رنت(4).
لم تُفارقني الآلام في نوم ولا يقظة، فقد نُهيت أن أنام فوق ثلاث ساعات متواصله، وأُعطيت مرطبًا أضعه موضع الكحل من عيني قبل النوم، ولجهلي بما يمر به المرء بعد العملية من صعوبة نوم ازدريت هذه السويعات، ولم أعلم أنّي سأتمنى أن أنام ساعة واحدة متصلة، إذ لم أنم أولَ يومين ساعة واحدة!
وبعد يومين من العملية، وحين خفّت عن عينَيَّ الآلام، أحسست بثقل عظيم في الأجفان، حتى صرت أنام الساعات الطوال غير واعية بما حولي نومَ الميت. ثم أنعم عليّ الله بأن أزال عني في اليوم الرابع هذا الثِقَل، فدخلت بعدها في حالة مريعة من الملل، وذلك أنّ الطبيب نهاني عن زيارة أهلٍ أو أصحاب، أو القراءة في أيّ كتاب، أو التعرض لضوءtap(5)! حتى صرت لطول وقتي وقلة ما عندي أترقب الصلاة بعد الصلاة، وأخشع فيها خشوعًا ما بلغه أهل الإنجيل ولا التوراة!
ومع كوني رتبت قائمةً صوتيةً طويلةً تجاوزت الأربعين ساعة، إلا أني أوشكت على إنهائها في اليوم الثالث، ولم يكن عندي ما أتسلى به، إلا أختي التي كانت تأتيني كل يوم لتحدثني أو تضع مرطب النوم في عيني -فقد كنت أخشى أن تنزلق يدي ويدخل طرف العلبة في عيني فتُفتح جراح العملية-(6).
وذلك أنّي أُمرت ألا أدعك عيني أو أفركها كي لا تقع العدسة المؤقتة وتُفتح جِراح العملية. فصار كابوس انفتاح الجرح ملازمًا لي، وصرت منه أتخيل في كل مرة ألمس فيها جفني مشهد سقوط العدسة وسيلان الدماء من عينيَّ سيلَ الدموع.
وكان مِما أُعطيته بعد العملية نظارتان، إحداهما ضخمة كبيرة، والأخرى مستديرة صغيرة، وأُوصيت أن أرتدي الكبيرة في كل مجلس لا يعمّه الظلام، والصغيرة عند كل استحمام.
وحين عزمت في اليوم الرابع على الخروج من غرفتي، لأرى ما يصنع أهلي، لبست النظارة الأولى، وحينها بان لي صِغر وجهي، وعِظَم أنفي، وبدت عيناي فيها كعيني الذبابة! فتكدّر قلبي مما رأيت، وآثرت أن أبقى في الظلام..

وحين خف عنّي الألم، قمت لأستحم، فأخذت النظارة الثانية، وحين لبستها وجدتها شديدة الضيق، تحجب عن العين مع الماء الهواء -هذا مع كوني وسّعتها لأقصى مداها-.
فآلمني الأمر من ثلاث جهات، الأولى: إيلامها لرأسي وكتمها لعينَيّ. والثانية: أن الطبيب لم يسمح لي أن أستحم إلا بها. والثالثة -وهي الأمرّ-: أنّ هواجسَ وأفكارًا تسلطت علي في هذه الغرفة المظلمة، وجلست أسائل نفسي، هل رأسي أكبر من رؤوس الناس؟ هل في رأسي تشوه خلقي ما فطنت له؟ وأخذت أسترجع كل موقف استصعب علي فيه لبس رداء، وأتذكر كل من أعرفه من أقاربي مِمّن عُرف بعِظم الرأس، فشككت في أنّه شيء ورثته، وضاقت عليّ بهذه الأفكار نفسي، وتملكني الهم.
وكان مما يلهيني في هذه الأيام زُريعات كُنت زرعتها قبل العملية بأيام، وكانت بداية منابتها في أيام العملية، فقرّت بمرآها عيني.

أكتب لكم هذه الأبيات وما أنا بشاعر، إلا أن قريحة الشعراء نزلت علي حين أصبحتُ بعد العملية بأيام، وذهبت أتوضأ فامتدت يدي لموضع النظارة لأنزعها فلم أجدها، فتبسمت تبسم المنفكّ من الأغلال، وكتبت هذه الأبيات:
أودعك نظارتي غير جازعٍ – عليك ولا باكٍ يُجاري البواكيَا
أودعك ما أحسنَ البعد والنوى – لقلبي وما أشهى لعيني التنائيَا
هنيئا مريئا غير داء مخامر – لعينَيّ أن تُنفَين عنها وأنفِيَا(١)
كأنك ذنب أو جريرة مجرم – أخفّيك عند الناس ألّا تُرَي بِيا(٢)
حسودٌ وربِّ البيت أنتِ لأنك – حِجاب يواري حسن منظر عينيَا
وقد يجمع الله الشتيتين، لا مِرا – فيارب اِجمعنا لآخذ ثأريا(٣)
ـــــــــ
(١) أنفيَ: قصدت به معنيان، الأول الأنف المعروف، والثاني تأكيد للنفي التام عن أنفي وعنّي كُلّي.
(٢) فأخفي عن الناس أنّي ارتديك بأن أستعيض عنك بعدسات ألصقها في عيني.
(٣) والجمع هذا لا يكون في الدنيا -لا قدّر الله-! بل يوم الحِساب لأقتصّ وآخذ بثأري يوم نجتمع عند الديان سبحانه.
وختامًا، فلا تُجزعنّك أخي القارئ هذه التدوينة، ولا تصدّنك عن إجراء العملية، فهذه الآلام تكفيرٌ للذنوب، وما أظن الله يحطّ عنك بألمٍ تألمته ذنبًا كما سيحط عنك من جرّائها. واعلم أنّ العذاب لاحقٌ بك لاحق، إن لم تذقه في الدنيا، يريك الله إياه يوم تلقاه، هي سنة الحياة لا حيلة فيها، ولو كان للخلاص منها مخلص، لاهتدى إليه من كان قبلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(1) في خضمّ ما كنت فيه من آلام، اتصلتُ بخالي، وشكوتُ له مرّ حالي، فاقترح عليّ أن أدوِّن ما عانيت، بتفصيل ما قاسيت. وأصدقك أخي القارئ أني لا أدري، أكان طلبه هذا لشدة إعجابه بشكواي، وملاحة قولي ومعناي، أم أني أكثرت عنده الحديث، فأراد أن يريح رأسه من قولي ويستريح!
(2) وأنا أراجع التدوينة تعجبت من استعارة “قطرة” وهو تعبير لا أتذكر أنّي استخدمته في حياتي، لكن لعله خطر عليّ حين كتبت ما كتبت لكثرة ما كنت أقطّر في عيني :(.
(3) والظاهر أنّ يوم الجمعة كان إجازة، ومن سوء حظي أن أجريتها يوم الخميس.
(4) وأحمد الله مرات ومرات أن لم يصبني مس من جنون بعد تلك الأيام الصعاب، وإن كنت رأيت بوادر الجنون لكن سلمني الله.
(5) هذه مساهمة مني في تعزيز التناغم بين الثقافات.
وقد سمعت ممن نسيتُه، عن رجل نَسيَهُ من نسيتُه، أن العرب أجازت استخدام اللغات الإفرنجية للضرورة السجعية.
(6) والخوف من التعامل مع عيني لازمني لسنوات، فقد كنت أخاف من قطرات العين، ومن العدسات اللاصقة، ومن الكحل، ومن كل شيء يدخل في عيني، ولم أتجاوز كثيرًا من هذه المخاوف إلا في آخر سنواتي الجامعية.
(-) في الخامس من ربيع الأول، وبعد شهرين -تقريبًا- من إجراء العملية، كنت منشغلة في جهازي منهمكة فيه، فارتفعت يدي لترفع نظارتي كما كانت عادتي فلم أجدها، فأحسست لأول مرة بشوق عظيم لها وحسرة على فراقها, وكأن جزءً مني فارقني، فاستجمعت نفسي وحبست دمعي وقلت:
إليك حنين القلب، ما زال سائقًا بناني كل اليوم نحوك ارفعُ
فعاد بناني خائبًا غير ظافر وكاد فؤادي يومها يتقطع
مشاء الله روعة والله تفاعلات معها كل مشاعري اللهم لا تبتلينا في ابصارنا ما احييتنا
بارك الله فيك لا شيء اعز من البصر
إعجابLiked by 1 person
الحمد لله على سلامتك ربى وأدام الله عليك البصر والبصيرة والنور.
سأجري العملية قريباً وأحببت ما كتبتيه عنها وتوثيقك لهذه الفترة المظلمة..
إعجابLiked by 1 person
سلّمك الله اليوم يا عائشة، وسلّمك وقت العملية وبعدها.
أما الفترة المظلمة فهي ما كنت أعيشه قبل العملية، أمّا اليوم فأنا في نورٍ ما بعده نور، وإن كان كل ظلام ينفرج عن نور مثل ما أرى الساعة، فأنعم بالظلام والظُلمة.
إعجابLiked by 1 person