متى يشتدّ القلب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

لوالدي أصحابٌ كثير لا أعرف منهم سوى قلّة، ومن هؤلاء القلّة صاحِبٌ عرّفنا والدي عليه وعلى أهله قبل أكثر من عشر سنوات. كان ما إن يسمع بقدومنا إلى بلاده إلا ويستضيفنا في داره ويبُالغ في إكرامنا، وكم نِمنا في داره ونِمتُ في حُجرة بناته وسهرت معهم، حتّى صار لهُ ولأهله في قلبي منزلة ليست لمثله من أصحاب والدي.

حين زارنا في بيتنا قبل عدة أشهُر، رأيتُ صورته مع والدي فاستنكرت مُحياه الشاحب، وجسده الهزيل، وقد بدت عليه علامات المرض والتعب. حزنت لما صارت إليه حاله، وضاق صدري لما أصابه. وقبل أسبوعين عزّانا والدي وأخبرنا بوفاته.

كان لهذا الخبر وقعًا على قلبي لازمني لأيام. يصعُب علي أخي القارئ أن أنقل لك هذه المشاعر، فإنّ ما في ذاكرتي من مواقف له ولأهله معنا، وللرسائل الصوتيّة التي كان يسأل فيها عن حالنا، وللقصص التي رواها لنا والدي عنه ما يطول حكايته ويصعب جمعه. كانت كلماته اللينة، وروحه الطيبة، وصورته الباسمة، هي ما حبّبته إلينا -كما أحبه كُل من عرفه-.

حين بيّنت لوالدي ما اعتراني من حُزن وهم على وفاته، قال لي: رحم الله أبا أحمد، وغفر له ذنبه. ثم صمت هُنيهة وقال: “ما جرّبتي شيء، أبوك شاف عجايب ومرّ بمواقف وفقد ناس عزيزة كثير”.

_________________

أحزنني قولُه بقدر ما تعجبت منه، فكيف يصل المرؤ إلى مرحلة يهون عليه فيها وقع المصائب، حتّى تهون عليه مواقف كانت لتطرحهُ أرضا لو مر بها قبل عشر أو عشرين سنة. كيف يخف وقع المصائب حين يعتادها الإنسان، وهل يتحجّر القلب إن تراكمت عليه الآلام والأحزان؟

ولا أعرف إن كان هذا الاعتياد خيرًا للمرء أم شرًا عليه، وأصدقك أخي القارئ أنّي ما أتخيّل يوما أنّ كثرة الحوادِث قد تزيد قلبي قوة وصبرًا وثباتًا، فلو سألني أحد عن حالي بعد فقد اثنين ممن يعز علي، لما شككتُ لحظة أنّ قلبي حينها سيكون كالخرقة البالية، تقتله المُصيبة الثالثة.

حين مرّ بي قول القائل:

“جَرت السنونُ كأنني ما شِمْتُها
تَجْري، فلم أبرح سِنين صِبايَا
فإذا عشقتُ عشقتُ مِن رُوحِ الصِّبا
فلقد تعلَّقَ بالجمالِ نُهايَا
ما شاب قلبي في ربيعِ محبةٍ
لا يَنتهي حتى اتَّهمتُ خُطايَا”

أخذتني الأسئلة إلى أبعد من هذا، فهل ما يلزَم الكِبَر من كثرة التعرض للمصائب والهموم يهوّن على القلب الأحزان فحسب، أم أنّه يتجاوزها حتّى يُخفف عنه لوعة الحُب وشدة الفرح وحرقة الاشتياق؟ وهل يُتصوّر أن يصل الإنسانُ إلى سِنٍ تتساوى فيه عنده الأفراح والأحزان؟(1)

رحِم الله أبا أحمد، وغفر له ذنبه وأسكنه فسيح جنّاته


(1) بعد نشر هذه التدوينة، استنكر والدي ضربي به المثل في صلابة القلب، وأخذ يُبيّن أنّ الحزن يتجدد على كُل فقيد، إلا أنّ بعض الحُزن يُظهر عند أُناسٍ ويُخفى عن آخرين.. فعُدت لك -أخي القارئ- لأكتب هذه المُلاحظة لكي لا تتوهم عكس ذلك.

    → العودة

    طار برسالتك الزاجل 🕊


5 آراء حول “متى يشتدّ القلب؟

  1. ما يفعل الشيب إن كان الفؤاد لينا رقيقا!

    لما يصبح للعمى ريح من الذكر، يشتد القلب ويبصر، أنى توجهنا كان المولى، ومهما نزلوا في القلب اخترنا الأولى، وبهذا لن يزيدنا الله إلا تثبيتا، وإن ارتد الحزن في يوم عسر، نلنا أجر الصبر. لذلك أجملي جزعا يا ربى، هناك وعد وجنان وملتقى.

    آمين، وغفر الله لنا ولكم ولموتى المسلمين.

    Liked by 1 person

أضف تعليق