خَبر أوّل مجلس أدبيّ حضرته

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكَ سيّد المجالس، ومُطرب الواقف والجالس، ورفيقي نِعم الرفيق، وأنيسي وشيخي والشفيق. أحكي لك اليوم خبرًا حصل لي، فاسمع مني واعجب لما مرّ بي..

مبدأُ الخبر الذي سأرويه عليك، منذُ سبع سنين -فاعجب حفظ الله عينيك-.
في مجلس بمسجدِ رسول الله ﷺ، يُشرح فيه كتابٌ في الآداب، مما لطف معناه وطاب، وعن أكثر الناس غاب (كيف يُخاطِب الطالب شيخه، وكيف يسأله، وكيف يحمل كتابه ويبري قلمه، ومتى يرفع بصره ومتى يخفضه).. فتعجّبت من توصياته، وأُعجبتُ بدقيق تنبيهاته(١) -وكُنت ما سمعتُ كلامًا في الآداب قبل كلامه-.

ثم مرّت عليَّ سنينٌ أنستني خبر ذلك المجلس، إلا أنّ تفاصيله عادت تعصف بي يوم رأيتُ إعلانًا لندوة بعنوان:
“أدب الصداقة”
فحنّيت إلى مجلس شيخنا، وتمنّيتُ رجوع أمسنا..
وحين رأيت في العنوان عبق ذاك الزمان، أخذتُ بلهفة أُقلِّب الإعلان.
فتبيّن لي أنّها جلسة وديِّةٌ، في قاعة ورديّة، خاصة للفتيات، ومحدودة الكنبات، في مجلسٍ قريب، ليس من بيتنا ببعيد، فسارعت بالتسجيل فيه، والإقرار على كُلِّ ما فيه.

ثم أخذت أُقلّب صور المكان، مما نُشر في خريطة العنوان، فتبيّن لي أنّه قصر كبييييير، فيه ستائر حريريّة، وكنباتٌ ملكيّة، وتُحف -في ندرتها- كالفرعونيّة! فهابني منظر ذاك المكان، وتخيّلت الأُمراء فيه والأعيان، وأنا جالسة بينهم كالمسكينه، وأعينهم تحدّق بي كالسكينة.

ثم عاد لي بعد ساعة رُشدي، وأيقنت أنّ الندم لا يُجدي، فقفزت من مكاني، وانطلقت إلى غرفتي -ومحلّ منامي-، وارتديتُ أحبّ الفساتين إليّ، وأطول الكُعوبِ الفارهة لديّ، وتزيّنت بألمع الحُليّ في دُرجيّ أُختيّ، ثُمّ سحبتُ عينايَ بكُحل فاحمٍ -من أصلٍ مصريّ-، وانطلقت للمقر، فدخلته أتصنّع في مشيتي الثبات، والله أعلمُ بما في قلبي من خفقات..

وجلست في آخر المجلس، أسترق النظر للداخلات، وأُرهف السمع للمُتحدّثات، لأتبين مكانتهم، وأُحسن حديثهم ومعاملتهم، فشّدني فيهم لباسهم، وبساطة ثيابهم، بل جُلُهم لم يُرخ عن كتفه العباءة، ولم ينتعل أحدٌ كعبًا، بل أحذية رياضة! فضاق صدري لمّا وعيت، وذبلت عيني لِما رأيت، وجلست ألوم نفسي، وأندب حظي، وأتحسر على تأنقي وجهدي.

ثم جاهدت نفسي أن أركز في كلامِ المُلقيات، وأصرف فكري عن غيره من الملهيات، فأخذت أصغي لأبيات تُلقيها فتاة، ثُم حكاية ترويها ثانية، ثُم مشاركة تلقي بها ثالثة، فاستملحت المجلس، وطاب لي الحديث.


وما كدّر عليّ شيء فيه، سوى أنه حين انقضى ظهر لي أن غالب الحضور يعرفون بعضهم، فما أن خُتِم المجلس إلا وانطلقن يتعانقن ويتضاحكن ويتمايلن، وأنا جالسة بينهم ببهرجتي وأقراطي اللامعة، وحيدة في وسط القاعة، أنظر إلى حقيبتي تارة وإلى السقف تارة.

وحين اتصلتُ على أخي وأخبرته بانقضاء المجلس، اعتذر بأنّ ظرفًا عرض له سيؤخره ساعتين! فضاق صدري، وتاه فكري، وتحيّرت في أمري. وجلستُ أُقلّب في هاتفي، ثم تبيّن لي أنّ بطاريته قاربت على الانتهاء، فأغلقته، وعُدت مرة أخرى أتأمّل أرضية المقر، وأسترجع من الذاكرة ما فيها قرّ.

ثم شرد فكري وأخذت أتأمل الحاضرات، فانتبهت لثلاث فتيات، يظهر من هيآتهن أنّهن جديدات على المكان، إحداهُن خرجت مباشرة بعد انقضاء اللقاء، وجلست الثانية على طاولة تتبسم لمن حولها، ولا يكلمها أحد، ثم جَلسَ عندها مجموعة صديقات وأخذن يتحدثن ويتضاحكن ولا يُشركنها الحديث.

فعجبت من قومٍ اجتمعوا على حُبّ الأدب ودقيق خِصاله، أن يتركوا غريبًا حائرًا لا يسأل أحد عن حاله، يحزنه أن يجلس في هذا الضجيج ولا يشارك فيه، ولا يجد مكان هادئًا ليرتاح فيه، فهو يستحيي أن يقتحم حديث ناس لا يعرف أيرحبون به أم يستثقلونه.

ولا أعرف أخي القارئ، هل عتبي هذا سببه أنّي كُنت الغريب، أمّ أنّ هذا فعل معيب؟(٢) فهل على كُلّ جماعة أن تحتوي كُلّ غريب وتزيل وحشته وغربته؟ أمّ أنّ في الأمر تكليفًا لهم بما يشق عليهم؟

وأحمدُ الله أنّ هذا المجلسَ ما خُتمَ إلا بعد أن آنسني مُحدّث، فإنّي حين طال بي الانتظار، وغابت الشمس وذهب النهار، أخرجت ورقة من حقيبتي، وجلست أكتب فيها ما تمليه عليّ قريحتي، فأقبل عليّ غلامٌ في الثالثة أو الرابعة من عمره، واستلقى على الأريكة عندي، ومدّ يده الصغيرة نحوي -مُشيرًا أن أعطيني القلم-، ففرحت به وقلت: هاك قلمي والورقه، ثم جلس يتأمل نظارتي، فاستلّها وهرب، وأنا مُسلّمة له مستسلمة، فأخذ يجري بها فرحًا، وأنا أرقُبُه وأتأمّل ظرافته وطرافته، وأنِست به حين أزال عن قلبي الوحشة، ورضيتُ -بعدَ أُنسي- عن أهل ذاك المجلس، فرضي الله عنه أبد الدهر، وجمعني بِه -وإيّاك- يوم الحشر.

التقطت لهُ هذه الصورة وهو مختبئ يرسم على ورقتي في إحدى الزوايا، بعد أن نهرته أمه أن أعد للفتاة ما أخذت (:

(١) وأظنه أعجبني لأني فهمته، فلو تحدث الشيخ عن الفِرَقِ والطوائف ومذاهبهم لأخذت أعُدُ إنارات الحرم.
(٢) وأصدقك أنّي حين تأمّلت فيما حدث لي بعد عودتي للمنزل، عذرتهم وخفّ عتبي عليهم، فقد تكون مبالغتي في التأنق هي السبب، فلعلهم استنكروها، ورأوا أنّهم إن بادروني الحديث لا أجيبهم. كما ذكّرتني هذه الحادثة بما صارحتني به إحدى زميلاتي في الثانويّة بأنّها ترددت طويلًا -بداية العام الدراسيّ- قبل أن تُجالسني، لأنّها رأت في هيأتي وجلستي وسكوني وقلة اهتمامي شيئًا من الجديّة “والغموض” -على حد تعبيرها-.

    ← Back

    طار برسالتك الزاجل 🕊

    تحذير
    تحذير
    تحذير
    تحذير!


رأيان حول “خَبر أوّل مجلس أدبيّ حضرته

  1. مقالة ممتعة ورائعة وأسلوب جديد وشائق .. لم بدأت بها فلم أشعر إلا وقد انتهيت منها وبودي أنها لم تنتهي .. نحتاج مثل هذه المدونات الراقية ..

    ‫أُرسلت من الـ iPhone‬

    إعجاب

أضف تعليق