حديثٌ عن أمِّ البواقي*

على الخريطة، وفي شمال الجزائر تقع ولاية أم البواقي، وتُقدّر مساحتها بـ 2,155 كم2. يسكُنها اليوم 80 ألف نسمة، من أمازيغٍ شاويّةٍ(1) وقبائلٍ عربية

بسم الله الرحمن الرحيم

حيّاك الله أُخَيَّ القارِئ، كيف حالك وما جديد أحوالك؟ بالأمس حدّثتك عن ديارنا في المشرق، واليوم أُحدّثك عن ديارهم في المغرب. حكايتي مبدؤها من مجلسٍ كُنتُ فيه قبل عدّة أشهُر، يضُمُ عربًا من شتّى البِقاع. وكان كُلّما جاء دور أحدهم، عرّف بنفسه ثُم أدلى بدلوه، فيتلوه الآخرُ وهكذا.. فتقدم رجلٌ منهم وقال: أنا فُلانٌ الجزائريّ، من ولاية “أمّ البواقي”..

“أُمُّ البواقي”، جلست ساعةً أتأمّل في الاسم..

ما أُمّ البواقي هذه؟ عجيبٌ اسمها.. “بواقي”، وكأنّ من سمّاها بلغ من الهمّ والكمد ما جعله لا يرى في الحياة -بعد ما كان قبلها- إلا بواقيها.

إن معرفتي اليسيرة بتاريخ الجزائر ما صوّرت في ذهني لهذا الاسم إلا أبشع الصور وآلمها، فأيّ بواقٍ هيَ؟ أبواقي ديار وأوطان، أم أحبابٍ وخِلّان؟ أبواقي شيوخ ورجال، أم نساء وأطفال؟ وهل كانت بواقيهم عظامٌ مترامية، أم أحشاء متفطّرة؟
وأصدقك أخي القارئ أنّي لا أعرف، هل أنا شاعرية مُرهفةٌ، أم أن للاسم فعلاً قصّة عجيبة.

جلست أبحث عن مكان هذه الولاية على الخريطة، وأنظر لشوارعها ومدارسها وأهلها، فلا أجد في وجوههم شيئاً غريباً. بعدها بأيّامٍ يسّر الله لي أن قابلتُ أَحَدَ شيوخ تلك الولاية، وحين سألته عن اسم البلاد وما ضمّت، ومن هي أُم البواقي، وما حكايتها؟ تَنَهّدَ تنهُّدَ الحائر، ثُمّ انطلق -وما كأنّهُ ذاك الحائر- وأخذ يحدّثني عن بلاده، ويتغنّى بأمجاد آبائه، ويشدو ببطولات أجداده، ويُمَنّي نفسه بفتوحات لأحفاده، ويعُدُّ لي كم قدّم أجداده من شهداء ودماء في سبيل استقلال هذه البلاد، بعد أن جار فيها الغاشم كُل أنواع الفساد. وكيف أشهروا سيوفهم في وجوه الطغاة، وكانوا لأرضهم ومبادئهم نِعمَ الحُماة.
ثمّ سكت فجأة وقال: والحديث في هذا الأمر يطول، وأظنهُ لمثلك كلامٌ مملول.
فقلتُ: حاشـ .. فقال: بلى، هو والله فكفى!
ثُمّ أكمل وقال: أمّا ما استغربتِه من اسم البلاد، فيُروى فيه قولان، أذكر بدايةً ما اشتهر، ثم أبيّنُ لكِ ما أراه أقرب لقلبي -وأمرّ-..

أما القول الأوّل، فهو ما يُزعَم فيه أنّ هذه التّسمية تعود إلى مخطوطٍ قديمٍ يَروي أنّ كاهنةً تركت أبناءها في هذه الديار ورحلت، فاشتُقَّ اسم البلاد منهم، فصارت “أُمّ البواقي”، أي: أمّ الذين بقوا.

ولا أرى لما زعموا في أمر الكاهنة أصلاً، بل أراه قولٌ شاعَ لغرابته، فالناسُ يميلون لغريب الكلام، وإن كان بيّنَ البُهتان، واضح البطلان، ويتمنون في أحايينٍ صحّة ما يروون، ويرجون ذلك -لكن لا يُفصحون-(2).

وأنا لا ترتاح نفسي لهذا السبب، ولا لغيره من الكلامِ العَجَب، بل أرى أنّ سر هذا الاسمِ مهتوكٌ لا يكاد يجهله أحد. وذلك أنّ تلك البواقي يا بُنيّة، هي بواقي أحزانٍ وآلامٍ اعتلجت في قلوبِ آبائنا يوم جارَ عليهم المستعمر، فحين مرّ علينا.. دمّر فينا كُلّ شيء، وما أبقى إلا على شيءٍ من بواقينا. قتّل رجالنا، وجار على آبائنا وأمهاتنا، وطمس معالم أرضنا، وسعى جاهداً لطمس هويّتنا.

ولعلّه يعسُر عليك يا طفلة(3) تخيّل هذا الدمار الذي أنتجته سنيُّ الاستخراب، فأنتِ مَنّ الله عليكِ فما رأيتِ شيئاً ممّا أصابنا وفجع أهلنا، فإنّ لهذا الاستخرابِ -وإن انتهى- نَتَنًا وجرحاً لا يزال ينزف..
هذا وإنّي مع حُزني على فقد من ولّى، لا أجزعُ جَزَعَ خائب، ولا أسخط سخط عائب، وليس بكائي اليوم اعتراضاً على ما خُطّ في القِدم، فهذا قَدَرٌ لا يُغيّره ألم.
لكن أدعو مُحيّي الرُفاتِ، أنّ يُحييَ هذه الدروس(4)، فعطراً والله أرجو بعد عروس(5)

واعلمي يا مُنعّمة، أنّ أرضنا ما ضمّت الأحزان والأوجاع فحسب، بل حضنت تاريخنا، وحضارتنا، وأمجادنا، ودوّنت بطولات شبابنا وإقدامها. وقدّمت خلال فترة الاحتلال وإبّان حرب التحرير نُخبة كبيرة من رجالاتنا، بتضحيات راح إثرها في ثورة 1954م شهداءٌ كِرام، أمثالَ العربي بن مهيدي، وعباس لغرور.

العربي بن مهيدي أحد شهداء الثورة الجزائريّة، كان مناضلا وقائدا ولد في شرق الجزائر عام 1341هـ (1923م) بدوار الكواهي التابع لولاية أمّ البواقي
عباس لغرور مناضل وثوري جزائري ولد عام 1344هـ (1926م) بولاية خنشلة، شارك في قيادة المنطقة الأولى في حرب التحرير

كما احتضنت القويّ فينا والضعيف، فاحتضنت الفُرسان الأشدّاء، والشيوخ الضعفاء، ولم تضق عن الصغار ولا الأيتام، فضمّتهُم مع ما بقي من أحلام آبائهم. ولايتنا احتضنت ديارنا القديمة و“بواقيها”..
ثم صمت الشيخ متأمِلًا، ثُمّ قال: أم البواقي، لعل اسمها مشتق من البقاء، فهي بإذنِ الصَّمَدِ صامدةٌ راسخةٌ شامخة.

ثم استرجع(6) وقال: وأضرب لك مثالاً على مشهد حدث في “أمّ البواقي” وما يزالُ يُذكِّر به كُلُ جيل من يليه، وذلك أنّهُ حين غزا الفِرنسيون أرضنا، تفننوا في تعذيب الجزائرِ كُلّه ونهبه، وكانت “أمّ البواقي” ممن عانى ويلات هذا الاستعمار. ففي الفترة ما بين 1377هـ (1958م) و 1378هـ (1959م)، أطلق المُستعمر يده السكرى على مواطنين أبرياء، فاعتقل الرجال والنساء والشيوخ الأطفال، بغير جرمٍ فعلوه ولا خطأ اقترفوه.

وفي حرب التحرير بأم البواقي ألقت فرنسا بـ 447 شهيداً في بئرٍ الشهداء بأمّ البواقي، بئر نضحت بالدماء، حاول فيها المُستعمر أن يُخفي جرائمهُ فصبّ على أجساد شهداء البئر مادة لتحللها، فما أبشعه من جرم وما أقساه من فعل. شهداءٌ قُتلوا في مُعتقلات ولا جُرم لهم إلا أن دافعوا عن أعراضهم وأموالهم وأرضهم..

إنّ هذه القصة المُفجعة لا تزال حاضرة في أذهان سُكان هذه المنطقة، يذكرون بها أبناءهم، ويبكون حين ذكراها على آبائهم.

وقد وجدتُ هذا المقطع، يرطُنُ فيه أهل الجزائر بكلامٍ يُفهمُ بعضه ويُجهل بعضه، فاستأنسوا بما تفهمون منه.

أم البواقي، يُزعم أنك تكنيت باليتامى حين رعيتهم في حجرك وأسكنتهم على تربك، فصرتِ لليتامى أُمّا(7). رعيتهم حتى عُرفتِ بهم، فصرت بعدهم داراً للشريد والطريد. هل من أُمٍّ كأنتِ؟ أُمُ بواقٍ تحتضن شتات الأرواح والأجساد، تحنو عليها فتجبر كسرها وتستر عيبها؟.. أَم أنه كُتِب على شتاتنا الشتات..


* وهذه حكاية في قِسم التدويناتٌ المُبَهَّرة. فحين أقول، “حدّثني ابن ام البواقي قبل عقود مضت” أو “حدّثتني ابنة التُجّار عن رحلات آبائها” فهذه كلها مجالس ما شهِدَتها إنس ولا جن، وإنما هو خبر قرأتُهُ، أو قصة سمعتها، أو مشهد شهدته، فتخيلت راوياً يقصه عليّ وكتبت لك على لسانه، وذلك أنّي حين لا أجد من يُحدِّثُني، أتخيل مُحدِّثاً وحديثاً وأرضاً عليها دار الحديث، ثم أكتب لك أخي القارئ. ومع هذا فأنا لا أكذبك في قولي، بل أروي لك خبراً نطق بهِ إنسان، أو خطه بنان، لكن على لسانِ مُحدِّثٍ لي -جمعني الله بك حتّى تُحدثني-.
(1) يُقال أنّ اسم “الشّاويّة” صفةٌ لأهل الشياة، فلمّا كانوا أهل شياه صار اسَمَ عَلَم عليهم . 
(2) تذكرت حينها ما كتبته لك عزيزي القارئ في تدوينة أثيثية، وما أوردته لك فيها من خرافة وحكايات، فلعلّك تُرجاعها هُنا حتّى يتبين لك مصداقُ قول الشيخ.
(3) أهل المغرب العربي يُسمّون الفتاة طفلة، وإن لم تكن بطِفلة.
(4) دروس مصدرٌ لـ دَرَسَ، أي اِمَّحَى وذَهَبَ أثَرُهُ.
(5) “لا عطر بعد عروس”، مثلٌ اشتهر، فابحث عنهُ في قوقل.
(6) لعلك تظُنُ يا أخي القارئ أنّ الاسترجاع هو الرجوع للحديث الأول؟ وهو ليس كذلك، لكن الاسترجاع الذي عنيتُ هنا هو قولُكَ: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”
(7)  ولا يتعنّت أحدكم ويزعم أنّ هذه المدينة نَسَبَت لنفسها من ليس إليها ذو نسب، وخالفت قوله تعالى: (اُدعوهم لآبائهم)! فالحال هنا مختلف، وهذه استعارة مجازية -أخي المتحذلق-! فأنت ابن المدينة، وأنا ابن الريف، وهو ابن الحضارة، ومكة أم القرى، وكل بلدة حضنتك هي أمٌ لك يتوجب عليك برّها وذكر محاسنها وستر معايبها، قبّحك الله من ناكر جميل!


← Back

طار برسالتك الزاجل 🕊

تحذير
تحذير
تحذير
تحذير!

رأيان حول “حديثٌ عن أمِّ البواقي*

اترك رداً على Ruba إلغاء الرد