بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك أُخيّ الفارس. كيف حالك؟ وما جديد أحوالك؟ متّعك الله بأصحّ الأحوال، وألهمك أحسن الأقوال..
آخٍ يا صاحبي القارئ، لو علمتَ ما اعتراني من بؤسٍ بعدك، وشوقٍ إليك، وحنينٍ لأيامك، لتقطّعت كبِدك رأفة لحالي، وحزنا لما جرى لي، وزادني وجعاً تمثُّلي شخصَكَ تغدو على مدوّنتي وتروح، ترجو جديداً أو خبراً عجيباً، فاغفر لي يا أُخيّ إن طالَ غيابي، أو قلّ عنك وصالي، فإنّي وإن طال البُعد وقلّ الكتاب، لا أنساك -ومَن عنده علمُ الكتاب-.
أما بعد، فقد جئتُ إلى مُدوّنتنا اليوم لأروي لك قصة عجيبة، سمعتُها مرات عدّيدة مذ كُنت طفلة صغيرة، فاستحسنتُ أن أقُصّها عليك لِما فيها من العجائب والغرائب، لكنها حكايةٌ طويــــــلةٌ، وسأرويها لك برويّة وتأمُّل، فاصبر عليّ رفيقي القارئ، وتحمل كثير كلامي، ولا تُسرف في ملامي.
وقبل البدء، اعلم أخي الرؤوف أني ناقِلٌ لا مؤرّخ، فما أرويه لك هو ما سمعته من نساء تلك القرية، أو قرأته مما كتبه أهلها، فلا تعتب عليّ ولا تؤنّبني إذا خالفتُك في شيءٍ أو رأيتَ فيما كتبتُ أمراً يُجانب الصواب، بل نبّهني بأسلوبٍ لطيف ظريف، لا صخَب فيه ولا عتب، فإني والله يُحزنني القولُ الحاد، ويؤلمني العتابُ الجاد.
وعوداً لحكايتنا، فاعلم يا حلوَ الكلامِ، قليلَ الملامِ، أنها من الحكايا التي ضُرِبت بها الأمثال، وشُدّت لسماعِها الرحال، فصارت من أعجب الحكايا وأغربها، تتداولها مجالس السُمّارِ، وهم في ذلك ما بين مُصدّق ومكذّب، ومُعجَب ومُتعجّب!
نُسجت أول فصولِ قصتنا في مدينة شاعِرٍ عُرف بلسانه الناقد وأسلوبه الساخر(1). فيُروى أن خلافاً نَشَبَ بين ابن شاعرنا هذا وأحد أبناء الأُمراء، واشتد بينهما النزاع حتّى عدى ابنُ الأمير على ابنِ الشاعر، وبرّحه بالعصا ضرباً حتى قُطِع عصَبٌ في يده، فما كان من ابن الشاعر إلّا أن تحمّل الأذى وصبر، وطوى الألمَ في قلبه وانكسر، فمن ذا يُجيرُ من اقتصّ من ابن الأمير! فامتعض من هذا الخنوعِ أبوه، وانطلق بشنيع القول يهجوه، فصار يسخر منه في كُلّ مجلسٍ ومقام، ويُضحك عليه الخاصة والعوام، حتّى استعرَ قلبُ الابن غيظاً، واشتعل من الهمّ رأسُه شيباً، فساقهُ الغيظُ إلى فراش ظالمِهِ ابن الأمير، وانقضّ عليه وقتله!
فأُوقدت بشنيع فعله النيران، وقُرِعت الطبول وصاح الصبيان، ونادى الرجالُ بالثار، وصاحت النساء “عارٌ عار”، فَفَزِعَ شاعرُنا لهول ما رأى! وانطلق يعدو هارِباً، خارجاً عن أرض القوم شارِداً، ومِن خلفه أهلُه فزعون، وصبيانُه يصيحون ويبكون، والناس تُغلق دونهم الأبواب، وترُدُهم باللوم والعتاب، حتى حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ولفظتهم القُرى وما رحِمت، رفعوا أيديهم إلى رافع السماء، وأخذوا يلهجون إليه بالدعاء… وما إن أراح كُلٌ منهم يديه، ومسح دمعاً تغورق في عينيه، حتى رأوا معالِم قريةٍ تلوح في الآفاق، فاتجهوا إليها راجين، ولأهلها قاصدين، فلمّا أقبلوا على أميرها وقصوا عليه ما جرى، انتفض لهم وأقسم برب القرى: ألّا يمسكم في أرضي إنسان، فأنتم في جواري وإن كان!
فحط شاعرُنا رِحاله في الأرض المقصودة، ووطئت أقدامه قرية “أثيثية” المشهودة..
وحين أقام عندهم أيّاماً، رأى أنّ أميرَ القرية المجاورة يفرض عليهم الضريبة، فعزّ عليه أن تذهب خيراتُ قريةٍ أجارتهُ لغير أهلها، وحاول أن يُشعل فيهم الحماس، فنظم أبياتٍ يهيّجهم فيها ويستحثُّهُم على القتال، لكن صيحاته ما وجدت أذناً صاغية، ولا نفساً راضية، فأهل تلك القرية أكثر عدداً وأقوى عُدّة.
حتى إذا شبّ ابنا الأمير المُجير واشتد عودهما، عاد الشاعر يُظهر لهما قُبح الخنوع، ومذلة الخضوع، فاقتنعا بقوله، واستعدا للثورة على خصمهم وخصمه، وعزموا على قتل خادم تلك القرية إذا جاءهم يأخذ الخراج.
فلمّا حان الحين وجاء الخادم، قتلوه ووضعوه على الحمار موضع الخَراج، ثُمّ سيّروه عائداً إلى قريته! ولمّا وصل الحمار إلى القريةِ يسوق نفسه، ووجد أهلُها الخادم مقتولاً على ظهره، ثاروا عن بكرة أبيهم، واشتعلت النيران من مقاليهم(2)، وعزموا أن يأخذوا بالثار، ويرسلوا عليهم جيشهم الجرار.
فجهّز أهالي القرية جيوشهم، وصفوا جنودهم، واحتدمت معركةٌ هي من أعجب المعارك وأغربها، تقدّم فيها جيشهم وشقّ صفوف جيش أثيثية وألجأهم إلى التراجع، فقُتل من الرجال من قُتل، حتى إذا أيقن العدو بالانتصار، واكتسحوا المنازل والديار، خرج عليهم رجال كالسهام، لا يُعرفُ من أين خرجوا، ولا من أين جاؤوا، لا يهابون الموت ولا الجراح، ويُقدِمون إقدام مُجاهدٍ لغير الآخرة ما استراح، فانقلبت بعون الله بعدهم الموازين، وفرّ العدو على وجوههم فزعين، يُذيعون في كل مصر دخلوه، أو وادٍ نزلوه، أو حُرٍ قابلوه، أنّهم قاتلوا جنّا لا إنساً! فانتشرت شائعة تقول: “إنّ جِن أثيثية جاؤوا يحمون قريتهم”!
فانقسم الناس بعد هذه الحادثة ما بين مُصدق ومكذب. فمن يؤمن برواية اشتراك الجن في المعركة يُفسر ذلك بحكاية يزعم فيها أن امرأة من أهالي أثيثية قبل عشرات السنين وجدت طفلاً رضيعاً يبكي في أحد المزارع، فعرفت أنه جني، فرحمته وأرضعته حتى ما عاد يعرف أماً سواها، وحين شبّ هذا الجني قال لأمه الإنسية: إن احتجتِ شيئاً فتعالي إلى هذه المزرعة ونادي “يا سحلول” وسآتيك مُجيباً. ويوم دارت رحى الحرب، ورأت مُرضعةُ الجنيّ من قومها التراجع والهزيمة، سارت الخُطى إلى تيك المزرعة، ونزعت اللثام عن فيها ونادت: “أيّا سحلول، اليومَ اليومَ، الحربَ الحربَ!”، فنادى سحلولُ قومَهُ، وأغاثوا أهالي أثيثية بالمدد(3) .
وهذه الرواية مع قُربها إلى الخرافة منها للواقع، فإن كثيراً من أهالي أثيثية وغيرهم يؤمنون بها.
ويُقال إنّ عدوهم هو من تمسّك بهذه الرواية، حتى لا تُعيّرهم الناس أن قد هُزموا من قلة وهم الكثرة.
وأما القسم الثاني ممن رأى استحالة هذا القول، زعم أنّها مكيدة استعملها أميرا أثيثية، بأن استنجدا بأخوالهم قبل التقاء الجيشين، وطلبا منهم الاختباء داخل خنادق ساحة المعركة وخلف أشجارها، وألا يخرجوا منها إلا حين يتوهم العدو انتصاره، فيفجؤوهم على حين غِرّة، ويوقعوا بهم الهزيمة المُرّة.
والعجيب، أنّي حين ذهبت إلى أثيثية مررت على ساحة فيها هضاب صغيرة مُجوّفة -هَدّت أغلبَها الرياح والأمطار-، زعمت أختي أنها هي التي يُشاع أن القوم اختبؤوا فيها يوم المعركة.. وهذه صورٌ لبعضها:
ومع كثرة الأقوال والروايات وتضاربها، فإن خَبَر هؤلاء الفرسان المُلثمين، سِرٌ ما برُدت نفسٌ فيه باليقين، وما زالت الروايات تُنقل إلينا من رجال ونساء، كُلٌ منهم يدعي صدق قوله، والعلم الأكيد عند ربِ الأرباب، مُنزل الكتاب هازم الأحزاب.
(1) ولهذا الشاعر سيرة عجيبة لم أتطرق لها هنا، ولم أذكر شيئاً من أبياته حتى لا أُطيل عليك يا فلذة كبدي ويكثُر التشعب.
(2) مقاليهم، جمعٌ لـ مُقلة العين، ولم أجد لهُ أصلاً. لكني كتبته للضرورة السجعية.
(3) وسمعتُ أنّ أصحاب هذا القول ادّعوا أنّ أهالي أثيثية ما عادوا يذكرون اسم الله في أودية الجن -بعد هذه الحادثة- إكراماً لهم.



رأي واحد حول “أسطورة في قلب نجد”