بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك أخي القارئ، مسّاك الله بكل ما تُحب. سأحكي لك اليوم حكايةً عجيبة، عايشتها وشهدت أحداثها(1).
وذلك أن قواماً من أقطارٍ مُترامية، وأعراقٍ مُتباينة، وأديان مُتمايزة، اجتمعوا ليلةً يتسامرون، ومن برد الشتاء يتذمرون. ولما استحكم عليهم الليل، وبان لهم سُهيل(2) زاد ما من الجوع ما يجدون ومن البرد ما يحسون. فرحم الشيخ حالهم، ورثى لما جرى لهم، وباشر بتقديم ما يُشبع من حساء -وكان إداما من باميا وبازلاء-، ليُدفئ الأجسام ويُذهب -بإذن الله- الأسقام. وحين لعق الجمعُ ما أُعِد لهم من عشاء، وذهب شيخهم لصلاة العشاء، بدؤوا في ذم الباميا يخوضون، وبمساوئها يتحدثون. وأخذوا يهمزون ويلمزون، ويضحكون وبالذم يتنافسون. ولم يرعوا في حديثهم حق الشيخ، ولا مشاعِر زوجِهِ أم نَيخ. ولم يرُعهم إلا الشيخ…يتراءى لهم من باب الدار، ويُقدِم ثم يبسط أمامهم ما عنده من أسفار..
ويقول: أيا سفهاء العقول! والله ما منكم فقيه ولا نزيه، أوَمن سفهكم تضحكون، أم إدامي تزدرون؟ اعلموا يا جَمعَ اللئام، أني مُزيلٌ اليوم اللثام، ومبينٌ عمّا في جوفي من كلام، فقد بان لي جهلكم، وما عاد يخفى عليّ سفهكم. ولست أجد لما أفحشتم به من القول عُذرا، فأنتم والله لما أوصى به رسول الله صِفرا(3).

فاعلموا أن ما آثرتم غيره عليه لَغذاء الفلاسفة، فقبحكم الله ما منكم فيلسوف، وطبق الملوك، وما منكم إلا مملوك، وطعام الخواصِّ، وهم يرجون منكم الخلاص!
فكثُرَ بعد قوله اللغط، وزاد المرج، وامتدت عقيرة الصغير، وارتفعت يد الكبير، كُلٌ منهم يريد لنفسه انتصاراً أو لقومه ثارا.. وكان للشيخ من الهيبة والبيان، والحجة وحدة اللسان، ما يُهيّب القوم من الاعتراض عليه، أو الإقدام على قول ما سبقهم إليه. إلا أنه قد برز له أقوام تحلو بالشجاعة، مع شيء من السفاهة، فشنّعوا على الشيخ مقالته، واستهجنوا عليه ضراوته.
فبرز صغير القوم وقال: يا شيخنا، والله ما أراكَ إلا خَرِفا، أو بعد هذا العُمر تلِفا، فوالله ما لبطوننا الجائعة بفضائل الباميا شهية، وإنما هي للحم مُشتهيّة. فهي -الباميا- كما ترى لا منظرٌ يغُر، ولا مخبرٌ يسُر، سوداء فاحمة، تتملص من يديّ كأنها منّي هاربة، وهي مع ذلك ليست لبطني مشبعة أو لجوعي مُذهبة.
فقال الشيخ: قبحك الله من أكولٍ نهمٍ، شرهٍ بَطِن، أما تنهش إلا الذيذ من الطعام، وتُعرض عمّا خلاه من نافع غير سام؟
ثم اعترض آخرٌ وقال: والله يا شيخنا لو كان للباميا فضلٌ لما كانت للدودِ مرتعا، ولا لبيضها مسكناً! وهي مع ذلك لا مظهرٌ حسن، ولا لعيني تجلب الوسن.(4)
فاتسعت مُقلتا الشيخ، وشَهَقَ حاجباه، وقال: يا ضعيفاً في الحُجّة، بعيداً عن المحجّة، والله إن لفيك من الحُمق والبلادة، والسفه والسذاجة، ما فُضّل بسببه الدود عليك. أتصيرُ منك أعلم بمصالحها وما ينفعها، وأقدر منك على إدارة شأنها وشأن عيالها! فانظر إلى نفسك وراجعها قبل أن تراجعك.
ثم تقدم ثالثٌ محاولاً عرض بديل للباميا فقال: أمّا أنا، فوالله ما أرى للباميا من الفضل ما ذكرتم، بل إني لأجزم أن البطاطس أعلى منها شأناً، وأحق بهذا الفضل شكراً، فكم أشبعت بطوناً فأنامت جفوناً(5). كما أنها ليست كما الباميا سهلة المنال، قريبة الوصال، بل هي في عُمق الأرض مُستقرةٌ. لا يقربها طائر ولا داب، ولا ينعم بها إلا من عانى لأجلها الصعاب. والعجيب أنها محببة للصغير والكبير، ولا يمل منها الغني ولا الفقير، وتؤكل مشوية ومقلية، ومطبوخة ومسلوقة. وهي ليست عندنا فحسب محبوبة، بل عند العجم أيضاً مرغوبة. فاعلمك يا شيخنا أن أهل الصين -وهم أهل الحكمة- سمّوا البطاطس “فاصولياء الأرض”(6) لِكَونِ الفاصولياء عقل النبات وغذاء العقل(7)، فعُرِف عندهم أهل العلم والمعرفة بها. كما سمّاها الفرنسيون “تفاحة الأرض”(6)، فعُرف أهل النُبل والجمال عندهم بها. فسبحان من جمع في هذه النبتة حلاوة التفاح وغذاء الفاصولياء.
فتعجب الشيخ لوقاحة الرجل، وشدة بأسه، وقال: قد بان لي اليوم معدِنُك يا عبد الإفرنجة، منهم تحفظ وعنهم تروي، فقم عن مجلسي لا جمعني الله معك إلا يوم الحشر. ثم قام الشيخ يلوّح بعصاه ناهِراً زاجراً: انفضوا عن مجلسي لا بارك الله في مجلسٍ جمعكم، ولا طعامٍ جمّعكم.
(1) وهذه القصة وقعت أحداثها في بث مباشر بثّهُ شاب من أهلِ الحِجاز على تطبيق الـ إنستقرام، وأرويها لكم -بتصرف وتبهير-.
(2) نجم سهيل هو ثاني ألمع نجوم السماء بعد الشعرى اليمانية، وقد تغنّت به العرب في أشعارها، وأطنب في ذكره غير واحد من الشُعراء. كما استبشر أهل الجزيرة به الخير وقرنوا به اعتدال الطقس وبدء موسم المطر. “إذا ظهر سهيل فلا تأمن السيل”.
(3) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه” (متفق عليه)
(4) وقصد القائل في المسألة الأولى مبهم، فلم تُعرف الباميا بالدود قبل اعتراضه. أما قوله أنها لا تُشبِع، فالظاهر أنه قصد أن الجائع إن شبع نَعِسَ فنام.
(5) راجع الحاشية رقم 4
(6) وأظن المعترض أشار إلى الكلمة الصينية (土豆) وهي منقسة إلى قسمين: 土 وتعني أرض، و豆 وتعني فاصولياء.
وأشار إلى قول الفرنسيين (le pomme de terre)، حيث le pomme تعني التفاحة، و terre تعني أرض.
(7) ومسألة علاقة الفاصولياء بالعقل إدعاءٌ لم أجد له دراسةً محققة.